"سأتبعكِ حيثُ ذهبتِ، إلى آخر الكون، قالها مرتين" - قالت وشهقت في خضم نوبة الذعر
"وأنا أعدُكِ أن أكسر ساقه إذا فعل!" - احتضنها فبكت
بكت حتى انتظمت دقات قلبها على وقع نبضه وعادت للتنفس الطبيعي والاسترسالِ في الحكي: قالها مرتين! مرةً في خضم الحُب كحبيبٍ يعد، ومرةً كمهووسٍ بالامتلاك يتوعد! مرةً حينها اعتنقتُ الميثاق ووددتُ لو عانقت والثانية اختنقت وتمنيت لو أن الروح تفارق كي تتحرر من الجسد الذين يطبقُ عليه بجنونِ شَبِقْ
مخيفةٌ طبيعةُ الكلمات المتقلبة! ذاتُ العبارةِ التي كانت ذاتَ حُبِّ أمنًا صارت ساعةَ فراقٍ حتمي أسوأ كوابيسها، مخيفٌ كأفكار الانتحار استدراج المشاعر نحو عمق الحب، تتراجع بضع خطواتٍ عن صوت قلبه، وتدور بعينيها في دوامةِ الظنون، تتمثلُ لها كلُّ الصفات المتشابهة بينهما.... الغيرة، التقصير في الاهتمام بالتفاصيل، العينين البندقيتين، وهكذا! يتلبسُ الصوت القديم ،الذي مؤخرًا تمنت الصمم كيلا تسمعه، الوجه الجديد وأصبح الحضنُ لحظتها قفصًا مقفلًا أخذت إليه عنوةً، وما إن قال "لا تقلقي سوف لن أفلتك أبدًا لسحق الاكتئاب" حتى ذُعرت وأخذت قلبها المُرتق في أسنانها وجَرَت بالمشوار!
هي لم تعد تجيدُ تحمل الأخطاء الصغيرة، ولم تعد تستطيع تجاهل الخلافات التي يعتبرها المعظم غير جوهرية، ولا النقاشات! وما عاد في القلب سنتيميترًا مربعًا واحدًا يسمح بجرح إضافي! لم يعد بالقلب طاقةً لتحمل مخاطرة التعلق مجددًا، بالكاد يقدر على ضخ الحياة!
تفقدُ الاهتمام سريعًا لأنها تدرك تمامًا أن ذلك الاهتمام الذي تتلقاه ببذخ سيتلاشي سريعًا كأن لم يُخلق أصلًا، تغزل الشرنقة ذاتها وتختفي لحينٍ تمارس خلاله طقوسها وإدمانها على الانشغال بالبقاء، وبعدما كانت على وشك الانزلاق لا شعوريًا نحوه، تتوقف قليلًا، تُعملُ الأرقام في دماغها، ثم لا تسلم القلب أبدًا، فاحتمالية أن ينعصر في يديه وإن كانت ضئيلة فهي غير صفرية والحياة في نهاية اليوم أكثر أولوية!
كلُّ البيوتِ صارت مؤقتة بشكلٍ لا يسمح للجفن بأن ينغلق على راحتهِ دون ارتعاش، في الترحال ونسٌ بلا أنسٍ وأينما حطت الرأسُ لها فراش، لا علاقات خاصة مع الأمكنة مجددًا، لا تعلق، لا بكاء على الأقلام/الأحلام/المتعلقات الذاتية، فكم ذاكرةٍ اضطررت للتخفف منها عند بوابة أحد المطارات وكم من اللحظات أكرهت مجبرًا على مشاهدةِ صغار الأسماك تفتفتها جزيئات تبتلعها وتمضي
كلُّ في تيار كي ترى يومًا آخرًا في عَرَضِ الحياة
تلحقُ "بما يثير شفقة الجميع من تمنٍ" بنظرك السارح في العادة كلَّ طفلٍ يتأرجح بين أبوين تخلا عن بعض حياةٍ ليمنحا حياة..... تلعنُ القرارات السيئة، والمغفلين، وتعودُ لفقاعة الأمان والأنانية.ء
من يحتاجُ بيتًا على أي حال! الأرضُ لي والسماءُ لحاف ليلي والنسمات وشاحي إلى آخر الهراء.... الأرضُ ليست سوى صخرٍ يمزقُ الجسد والسماء برق وخوف والبردُ قارس ووحدة مطبقة. ء
ستجمعُ قطع الـ "بازل" بدأبٍ، وتحاول التخطي، فتقفز إلى رأسك المجنون أفكارًا تسحبُ قدمك المنزلق بالفعل نحو سُحقِ الاكتئاب، عن لمِّ الشتات، وفحص بطون أسماك المحيط بحثًا عن قطع الذكريات وتجميعها ليعود كلِّ شيء على ما ...... "هممممممم" ..... ليس ما يرام بالتحديد فالحالُ لم يكن أفضل المتوقع أصلًا، وإنما فقط ليعود كلُّ شيء على ما كان عليه! ليعود الحال لدائرة اعتيادك، وهنا يسوقني الحديث يا سائلي إلى ما خلصت له في كشف ضبابية مفهوم الوطن
الوطن..... هو ذاك المكان الذي ليسَ جنةً إطلاقًا، وإنما جحيمك الخاص الذي صُممت لتتعلم التأقلم مع حرِّه واستخلصت نظرياتك حول كيفيه تحمل ملائكة عذابه، هو ذاك المكان الذي (على عكس غيره من الأمكنة) يمكنك أن تفقأ عين عنصرية أهله، كوننا جميعًا نسبح في الوحلِ ذاته، ونعم! الأراضي كلها على اختلاف رائحة وَحْلِها.... مُوحِلَةْ.
سيتذبذب إيمانك، وهذا طبيعيٌ جدًا، ستتسائلُ عن مدى عدالةِ السماء، وهل من المُجدى بذل الجهد في الطاعةِ أم أن بذل الجهد في محاولة البقاء على قيد الإنسانية أجدى..... وهذا أيضًا لا غرابةَ فيه، جميعنا كُنَّا هناك، البعض لازال عالقًا، سواهم كلٌّ قد سلك طريقًا، ما يجمع الجميع أنهم بلا استثناء عاشوا نوعًا ما! فغريزة العَيشِ على اختلاف صوره أقوى! ومنذ البدء كان البقاء في أيًا كان أين، أكثر إغراءًا من الجنةِ ذاتها، ويدفعُ دفعًا نحو المعصية
ستتعلم بالطريقة الصعبة أن مطاطية حبل العلاقات/الصداقات ليست لا نهائية، وأنه بعد نقطة ما ستنقطع كل الروابط ويضربك الحبل الذي خزنت فيه بابتعادك طاقة ألف سوطٍ على ظهرك العار تمامًا من حماية قبيلة أو صديق يحفظه، ثم تستوعب بعد الإلم، أنك تمامًا في منتصف التيه اللا عودة بعده.ء
أخمنُ بالمناسبة، أنك لن تعيد سؤال "كيف حالك؟!" مجددًا، والمرة القادمة ثق بي إذا قلتُ لك "إنها حكاية يطول الحكي فيها ولست متأكدة أنك تهتم لهذه الدرجة" فأنا، شيء وحيدٌ ممتنة به لكل علامات الجروح وبقايا الغرز الجراحية، أستطيع قياس درجة الاهتمام من دفء راحة اليد عند المصافحة....ء
كنبضٍ المرأة الممدةٍ في آخر ممر الطائرة، تسارعت الذكريات في رأسي بينما تلفظُ الحكايةُ أنفاسها الأخيرةة تعرف أنني سريعة النسيان، أليس كذلك؟! أخبرتك منذ البداية أن عضلاتُ التشبث بالحكايا لدي قد وهنت من كُثر ما انتُزع من قبضتها عُنوة...ء
تُغير الطائرة طريقها، وأغيرُ معها وجهتي، يعتذر الطاقمُ مرارًا، ولا أحد يبدي تذمرًا أو تفهمًا أو فضولًا حيال ما يحدث، يبتلع المتذمرون كلمات التذمر، ولا أحد يجرؤ على اختراق حظر التجول المفروض في الممرات ليطمئن على تلك الملقاة في الممر أو يقضي حاجته!
تمسُ جسد الطائرة برودة السحابات الثلجية، ترتطم ارتطامًا اضطراريًا خفيفًا بالمدرج الغيرِ مُضاء كالمطارت المُعتادة، وكذا أنا أتأقلمُ مع الوجهة التي ما اخترتُها بملئ قلبي وأسقط سقوطًا خفيفًا من أعلى حافةِ الحُلم ليضاف إلى الخدوش القديمة خدشًا آخرًا
منذُ يومينِ، لمّا قررتُ خلع معطفك الذي تمزق وما عاد يفيدُ رتقه، أسرعتُ الخُطى أحاكي النهر الذي كان يجري أسرع من المألوف، ربما مخافة تجمد، كي لا يسلبه البردُ قدرته على منح الحياة والهيام بلا هدى بين الضفتين اللتين لولا احتوائهما -لو أنه تمرد عليهما- ما صار نهرًا، وربما تبخر وحملته الرياح سحاباتٍ، ثم سقط كل قطرةٍ منسيةٍ يبتلعها التراب.ء
كَبِرتُ جدًا! أدركتُ هذا عندما انكسرت كُرة الثلج والموسيقى وما بكيت، وأنا اللي اعتدتُ البكاء إذا فقدتُ قلمًا أو كسر أحدهم عن غيرِ قصدٍ شمعتي، فما يُضيرُ من اعتاد كسر قلبه شيء.ء
كبرتُ وما كبر الجميعُ مثلي!! لا زال الأولادُ على عهدهم بتكسيرِ الدُمى وفقأ عيونهم، فقط ليغضبوا الصغيرات ويتمازحوا حول هشاشتهن، لسبب ما ما فهموا ولن يدركوا يومًا التعلق!ء
كبرت وما أعدني أخي لمثل هذا! لو أنه مزق دميتي وأنا صغيرة ما بكيتُ نهرًا لمَّا اضطررت لتحمل الفقد الإجباري مرارًا، لو أنه ما عاملني كما أخبرته أمي "كزهرة" لو ما أوليت اهتمامها تساقطت ربما كنتُ قد نبتتُ صبّارة قادرة على إبعاد الأذى.ء
الأطفال المهذبون تعلمهم أمهاتهم ألا يبعثروا لعبهم، وأن يرتبوا فوضاهم إذا ما حلوا ضيوفًا عند أحد، وأن يعتذروا ممن أخطأوا في حقهم، ولا يكرروا الخطأ
فماذا فعلت أنت بعد أن بعثرت قلبي مليون جزءًا ولم تلتفت حتى للفوضى التي سببتها قبل أن تدير ظهرك وتسلك باب الرحيل!
على كلٍ، سأقف على ساقين وأنا أغلق الباب خلفك.... وبعدها سأدع ساقيّ تهنان كيف شائتا وأسقط سقوطًا بلا ارتطام، بلا ازعاج، وأطلق سراح الدمعتين، سأنهضُ بعدها وأرتبُ الفوضى، وأرتقُ ثقوب القلب وأخيطُ الجرح وأعودُ....ء
الحكاياتُ كلُّها تبدأُ بـ "كان" بينما تبدأ الحكايةُ الأقربُ لقلبي يا أنا بـ "هُنا... والآن"ء
لم يدفعني أحدٌ للوقوع في الحُب معك! وما حُبك بحفرة! وإنما اخترتُ بكامل الإدراك أن أرتقي يدي بيدِكَ الدرج المُفضي إلى الجنة
اليوم بينما نحنُ مُنهمكين في الإعدادِ للمنشور القادم، عندما لمح على شاشتي صفحة أخبارٍ بالعربية، سألني بعبارة إنجليزية: "إذًا، كيفَ حال الوطن؟! يتهاوى أجزاءً؟!"ء فأجبتُ: "بل يتهاوى العالم إذا صَحَ القول!"ء
أُتابعُ ما أفعله، متجاهلةً تمامًا انعصارَ القلبِ في قفصهِ الصدري، أُحاولُ تخطي مسافات الشوقِ وأغطى صورَ القتلى المُلقاة على كلِّ سنتيمتر من خريطة هذا الوطنِ المُرقع بأوراقِ الجرائد..... كي أتمكن من ممارسةِ الحياة!ء
مثيرون للشفقة هم أولئك الذين تتساقطُ عباراتُ التعاطفِ والتسامح من ألسنتهم في أوقاتِ وجوبِ صبِّ اللعنات أو -أضعف الإيمان الصمت!ء يذكرونني لسبب ما إذا ما صادفتهم بـ "إيفي" في رواية "مباريات الجوع"ء وهي تقف بابتسامةِ مودةٍ عريضة بينما بلغت القلوب الحناجر وتقول ببلاهة لا نظير لها:ء
"happy hunger games and may the odds be ever in your favor!"
لم أكتبُ لا لأن لا شيء تغير، بل لأن كل الأشياء تغيرت ضمنها أنا، محاطة أنا بملايين التفاصيلِ الجديدة بحيثُ لم تعد بي قدرة على التقاط واحدة لأحكي عنها فارتبكتُ وأصيب قلمي بالتَوَحُدْ....ء
قبل أسابيع بكيتُ خشيةَ أن يكون مَسَ سوء بعض روحي الذي لا يصعد معي عادةً سُلم الطائرة، أسندتُ رأسي إلى نافذة الممر وبكيت! ولم أستطع كَتم صوت البُكاء فانتبهت لي السيدة التي تصَّر على الحديث معي كل يومٍ موقنةً تمامًا في داخلها أنني أفهم كل ما تعني رُغم علمها أنني لا أفهم لغتها، انتبهت لي وفي ترددٍ اقتربت، فتحت ذراعيها، واحتوتني!ء
لحظتها شعرتُ وكأن كل الجروحِ القطعية التي أحدثتها الحدود في جسدِ الوطنِ قد اندملت فجأة....ء
ثم أنه ليس من المهم أبدًا أبدًا أن تكون بينك وبين أحدهم لغة مشتركة حتى يلمس قلبك! يكفي أن ينظر لعينيك إذ صادفك تبكي في الممر ساندًا رأسك على الجدار مخافة أن تسقط ضاغطًا براحة كفك على صدرك مخافة أن ينفثأ قلبك ثم يسمح لنفسه أن يمد كفًا ليجفف ما كاد أن يحرق وجهك من دمع، يكفي أن يربت على كتفيك ويسمح لذاته بعد أن أحس منك قربًا أن يحتضنك هامسًا بحديثٍ لا تفهم لغته، فتسمعه وتدركه تمامًا وكأن لغته هي لسانك الأم!
يحتضنك لثانيتين تُختصر فيهما مائة عامٍ من الغُربة والشتات والانفصال، وقتها تحديدًا ستؤمنُ تمامًا أن القريب ليس من لك به صلة رحم، وأن هذا الغريبُ أقربُ لقلبك من كفك الذي تحفظ به قلبك في مكانه!
عدا بعض لحظاتِ التواصل، فقد أنستُ وحدتي، ولم يعد يشوبها سوى القليل من لحظاتِ الفقد التي تتربص طوال الوقت وتهجم لتصيد بين الحينِ والحين.... بعثرتُ القصاصات هُنا وهناك، اشتريتُ معطر جو برائحة الفانيللا، وطبعتُ صور المقربين وألصقتها بجانب سريري،استطيع القول بأنني ألبست المكان الجديد ثيابًا تنكرية ليشبه البيت، ونجحت الحيلة!ء
"لا غُربةً سوى تلك التي نحملُها في دواخلنا، ولكننا نُفضِّل على مصارحة ذواتنا بالحقيقة لوم الأمكنة"
المكان مثالي تمامًا لي! أقلامي هُنا، المبخرة، عطر الصندل، معطر الفانيللا، أجهزتي الإلكترونية، علامات الكُتب، والكتاب الذي اشتريته لي.. هذا الكمالُ لا ينقصهُ سوى قطة، وصوت أزرار الماوس الذي تبثُ به أمي في الصمتِ بعض حياة بينما تلعبُ لعبتها المُفضلة على الكمبيوتر المنزلي....ء
أحاول أن أوفر بعض الوقت لأتقن اللغة الجديدة! أريدُ بشدةٍ أن أسمع حكاية صاحبة المشتل الذي أمام مدخل الجامعة.... وأن أتمكن من الحديث إلى بائع السيميت الأعمى وأنال فرصة مساعدته على عبور الطريق
تذكرُ عندما عقدنا قلبينا للمرةِ الأولى بفعلِ الحُب؟! ذلك الحُب تمدد بيننا مع بُعدِ المسافةِ بيننا مُحافظًا على الرابط المغزول بعنايةِ اهتمامك بالتفاصيل الدقيقة، ما كنت يومها لتترك طرف الحديثِ قبل أن أمنحك لقبك الجديد، وما أنا بتاركة طرف المحبة بيننا...ء
صباحُكَ، حسب توقيتنا الذي لا يبتدأُ دوران ساعته إلّا بعد أن تُلقي علي تحية الصباح، مَحَبَّة....
اليوم هو الخامس عشر بعد الشهر الثامن من العام الأول بعد الميلاد/اللقاء
انتبهتُ لحقيقة كوني غريبة هنا مرتين خلال الأمس، أولهما عندما اضطررت لسؤال من ألقت علي التحية على الدرج أن ترد على هاتفي لأنني لم أفهم ما عناه المتصل الذي بدا مُستاءً من أمرٍ ما، والثانية منذ ساعتين عندما لاحظت الأحرف الثلاثة اللاتينية الكبيرة على الورقةِ التي لفَّها موظف شركة الطيران منذ يومين حول يد حقيبة سفري والتي تعبر عن المدينة الوجهة
انتبهت عندها لكوني غريبة، وتذكرتُ كم أفتقد!!
مؤسفٌ أني مؤخرًا لم أقض ليلةً في مكانٍ feels like home..
مؤخرًا لَفَني شعور مشابه لشعورِ التعبير الإنجليزي السابق، لو للتعبير أن يشعر، وَسط كل هذه الكلمات العربية، لا يفهم كثيرًا ولا يفهمه الكثير، رغم أنه مناسب تمامًا لموضعه إلا أن شعوره بأنه في غير موضعه قد يشككه في الأمر
تعرفُ بالفعل أنني ما عدتُ أكتب كثيرًا، وتعرف أيضًا أن قدرتي على الاسترسال في حديثٍ ما عادت كالسابق، وأنني أصبحتُ أخاف شوارع القاهرة كما لم آلف بعد المدينة الجديدة!
وهذه أنا، لازلتُ بعد بروح معلقة بين المدينتين، تتجول حينًا هنا وحينًا هناك، وتحنُّ لتلك إذا ما قضت يومين في هذه وتحنُ لهذه إذا ما عادت لتلك... لذلك كما تعلم، يتقلبُ مزاجي بمعدل أسرع من العادي منذُ شهور!
ولذلك أيضًا أحتاجُ لدقائقِ التواصل
تظل عالقة وجوه أولئك الذين يلوحون لك من خلفِ زجاج، تنتقل صورتهم من زجاج نافذة السيارة إلى زجاج نافذة الطائرة إلى زجاج نافذة المترو بعد الوصول إلى زجاج نافذة الحافلة ونهايةً إلى زجاج نافذة غرفة غربتك المهجورة إلا منك
تظل تلاحقك من نافذة لأخرى كلعنةٍ خلَّفها الوداعُ الذي لم يتم، وهنا وجوهٌ عديدةٌ أراها خلف زجاج الشاشة بينما أكتب....
لم أتمَّ وداعًا واحدًا قبل سفري هذه المرة، خبأتُ كلمات أكثر من التي قلت، وخبأت دمعتين وابتسامات، غادرتُ ذراعي أبي قبل أن أكتفي من احتضانه والحال ذاته مع أمي والصغيرة
سيطول السفر قليلًا هذه المرة، أعانني الله على ما فعلتُ بذاتي من جراء ما اقتضبتُ في العناق.
صباحُك بعطر الفراولة كالشاي الذي أنهيتُ علبتين منه في اسبوعين!ء
وقبلهُ سلامٌ على قلبِ أمي ودمعة فخرها وافتقادها الممتزجتين.ء
لعل الجميع بخير...ء
لا شيء يُذكر، كل الأيامِ كاليومِ الأول، تكرارٌ مبالغٌ فيه لتجربةٍ أحببتها وطريقٍ ألفته، تمامًا كشاي الفراولة
لا شيء يستحقُ الكتابة عنه يا صديقي سوى أنني بدأتُ أشك أن روح هذه المدينة كانت يومًا لفتاةٍ عابثة! تغريك بدايةً بالاقتراب، بالحصول عليها، توهمك بأنك تنتمي لها منذ النبضة الأولى، بينما في خلفيةِ المشهد تنخرُ الغربة بين خلايا قلبك، وبمجرد أن تصل لذروةِ رضًا واقتناع بالبقاء للأبد... تكون الغربةُ قد أكلت تمامًا من قلبك ما يجعله قادرًا على بثِ السعادة وجعلتهُ بعد أن أتت على الروابط بين خلاياه مُثَقَّبًا كمصفاة وقتها ستتوقف عن منحك القرب الذي زَعَمَتْهُ في البداية... ولحظتها تحديدًا ستشعرُ برغبةٍ عارمة في البدء بالتدخين.ء
ثم أنها قالت منذُ يومين لي : كم كنت ساذجًا جدًا عندما ظننت أنك بسفرك تتحرر من هموم الوطن!
الأمر ليس كذلك على الإطلاق، كلما سافرت ستتسع رقعة الوطن، كلما سافرت ستحملُ همًا
يتعلقُ بكل بقعةٍ طالتها قدمك، وكل ذكرى صنعتها على طريقك، كما كلما مشيت
تتعلق بثيابك ذرات أكثر.
ستُثْقَلْ، وسيثقل ما تحمل....
عدا ذلك الجميع بخير! سوى هذه الغريبة التي كانت تجلسُ منذ عشرةِ دقائق على الطاولةِ في الممر تبكي وتجلسُ إلى جوارها فتاة أخرى تجفف بدقةٍ ما أفسده البكاء من مكياجها.... وكأن ذاكرتي الممتلئة بالفعل ينقصها مشهدٌ كهذا لتكرره عليَّ كعرضٍ مسرحي كل ليلةٍ لشهرٍ على الأقل! وكأن زكيبة الصورِعلى ظهري لم تثقل فترهقني بما يكفي!
سوف لن أطيل عليك، بلغ الجميع سلامي ولا تنس أن تُطعم القطة...
إلى لقاء،
قالت صديقتي التي هي أقربُ من ملاكي الحارس: "لا تبكِ ولا تحزني، فهكذا شأنُ البدايات"ء
فقلتُ:"وهكذا تبدو النهايات أيضًا!! فمن أين لي اليقين أن هذه عثرةُ البداية وليست سَقطة الفراق؟!"ء
قالت: "اكتبي قائمة أمنياتك إذًا لتستحضري لنا/المُهتمين لك روح العام الجديد!!"ء
قلتُ: "لن أُحمل العام فوقَ طاقته بالتوقعات، حصلتُ على نصيبي وكفايتي من الخذلان دفعةً واحدةً، هذا العامُ أكثر عجزًا من تعويضي عمّا انكسر في يومه الأول، فلا كل صناديق الموسيقى تكفي ولا سريرٌ من الزهر قادرٌ على دفع أكوام الكوابيس"ء
وصمتت....ء
قولي لي أنني لا أستحقُ الوجع! وأن ما بي من ألمٍ سببه الأوحد أن الأشياء الموجعة تحدثُ لأولئك الذين لم يمسوا كائنًا بجرح، قولي لي أنني لم أتغير! لم تصبح صحبتي أقل دفئًا أو أكثر كآبة، قولي لي أن صوتي لم تتكسر فيه نغمة الحنو والطمأنينة، قولي لي أرجوكِ أن كل هذه الثقوب في قلبي لا تجعلني خواءً غير مرئي!!!ء
صمتُ أكثرُ صممًا من سالِفه...ء
صديقتي، لا تألمي كمرآتي، فقط اذكريني عند ربك في الدعاء
منذُ قرنٍ أو يزيد لم يأتِ شتاءٌ كهذا، ومنذُ أبعد .... لم يُودَع يا دفء قلبي في روحٍ محبةٌ تُشبهُ بعضَ عُشرِ ما يسكنُ قلبي لك.ء
لا أستوعبُ مُطلقًا دهشتهم من تَغيرِ الأحوال الجوية! تغيرٌ كهذا لا يُضاهي بأي حالٍ ما حلَّ بروحي إذ أحببتك .... ولو أنهم رأوا قلبي، لو كان الحُب مرئيًا كخيوطِ شمس النافذة لما أثار شيئًا ضئيلًا كهذا كل هذه الضجة.ء
كلٌ شيء يا عزيزي في الكَونِ منك! الصيفُ اشتياقك، والشتاء البعد عنك، وتفتح الزهر لقاءاتنا، وتساقطُ الأوراق تقلباتي الصغيرةَ التي لابد منها لكي لا تفسَد بالكمالِ روعةَ الحُب.ء
رائحة المطر كدقاتِ قلبك ... تطرق على جدارِ روحي فتهدمهُ شيئًا فشيئًا بمثابرةٍ رقيقة لتنبت في قحل الحُبِ حياةً جديدةً.ء
أتحينُ أوقات الإجابةِ وأحبها لأذكرك بشكلٍ أعمق من ذكركِ الذي لا يُفارق، فأدعو لنفسي بمزيدٍ من قُربك وأسأل الله أن يبث في قلبك المزيد من محبتي.ء
أخطط أن أستقبل العام الجديد وأنت معي، وأن أمارس كل سعاداتي المؤجلةِ وأنا معك ... سأفتحُ دُرج أحلامي بلا قلق، فما عُدتُ أخشى أن أضلَّ بعيدًا عن دائرةِ الأمان التي غادرت كل الأشياء والشخوص وتمثلت في وجودك، وأنت دائمًا هُنا.ء
دُمتَ معي راضيًا بكُلِّي، ودُمتُ لك والقليلُ منك كثير.ء
أطفئ التلفاز يا عزيزي، سأصنعُ فنجاني شاي لنا، أجلسني إلى جوارك في مساحة أَمَانِيَ وأَمَانيَّ الخاصة، لنسترجع شريط الحُبِّ الذي عِطره يشبه رائحة البيت والطمأنينة.ء
في فجرٍ كنتُ حلمك، ومع خيطِ فجر الصبح الذي تلاه كان الحلمُ قد صار واقعًا مُكتملًا، عهدًا وميثاقًا عقدناهُ ووقعناهُ بفعل الحُبْ، عهدًا قُدسيًا تلونا بعدَ عقده الحمد والصلاة.ء
من يومِها تخليتُ عن فوبيا الشيكولاتة،والتهمت منها في اليومِ التالي ثلاث قطعٍ على دفعة واحدة، فما عُدتُ أخشى شعور الاحتياج الأنثوي للاحتواء... شُفيتُ من خوفِ الحُب على يديك يا حبيبي.ء
"لطالما أرعبتني فكرة الزواج، لكنها بك تبدو عبقرية"
فمن ممن سواك ترك لي مساحةً للمجيء والذهاب لآتي إليهِ بملئ قلبي وإرادتي؟! مساحة حرية في وطنٍ موازٍ يوتوبي متمثلٌ فيك حيثُ كل المطالب المشروعةِ ،التي تقطعت أحبال أصواتنا وأعمار من يشبهوننا بشدة لنحصل عليها ولم نفعل، مسلمٌ بها !ء
يسعدني كثيرًا يا أنا أننا اشترينا هذه المدفأة! ويسعدني أننا في ذلك الوقت بالتحديد اخترنا اجتياز الطريق يدًا بيد وقلبًا يتبعُ نبض قلب.ء
أحببت فأمنت فودعت الأرق، أمنت في سطورك وعلى وقع صوتك فأحببت فخلعت عن قلبي سِرْجَه، فما عدتُ أخشى أن يضلَّ أو يشرُد فكلُّ الطرق تُفضي إليك، كلُّ مساحات الكون قلبك، كلُّ نجوم المجرة منطفأةً إلى جوار خاتمك على إصبعي.ء
تُصبحُ على خيرٍ معي...ء
كمطرٍ خفيفٍ سخيٍ هطل فجأةً على صيف قفار، جاء حبُّك
ينفخُ الروح في رماد القلب الذي احتفظت به زمنًا في زُجاجة
يبثُ الأنفاس فيه بقبلةٍ فينتفضُ حيًا نابضًا ويبادلك المحبة
تبادلنا كلمات الهوى بينما تتوالى الأخبارُ السيئة، وبينما يهوى الوطن حولنا وفوق رؤوسنا، انشغلنا ببناءِ مأوى للعصافير تتدفأُ بهِ من برد السفر
جاء حبك مفاجئًا غير محسوبٍ له، وأنا التي تعدُّ الخطوات/السعرات الحرارية/نبضات القلب توقفتُ عن حساب المراتِ التي قلتُ فيها "أحبك" ء
جاء حبك غير مألوفٍ، وصل ذروته منذُ اللحظةِ الأولى حتى أنني ظننتُ لوهلةٍ أنني سأصحو في صباح اليوم الثاني لأجد فرشاةِ أسنانك تقفُ إلى جوار فرشاتي وأنني سأستغربُ قليلًا ثم تدورُ الأرض بي (كما في مشاهد أفلام الخيال) بينما تتبدلُ الحيطان والأرضيات لأجد نفسي بطريقةٍ ما في بيتٍ جديدٍ يشبهنا سويًا وأجدك هناك
كيف لي بامتطاء السطور؟! وقيدٌ لامرئي حول معصمي يسلسله إلى قلبٍ ينبض بصَخَبِ مُجنزرة،كناجٍ من تحطمِ سفينةٍ يطلقُ طلقة الاستغاثةِ الأخيرةِ علّك تلتفت!ء
كيف لي بقلبٍ يزفر آخر فقاعةٍ مما تنفسهُ من حضورك قبل الرحيل أن أنجو من الغربةِ الحتمية؟!ء
من أين لي بعدَك بهوية؟
على جبهةِ من بربك سأودع صلواتي بعد تلاوتها بين كفيّ؟!ء
على كتفِ من أذرف دموع التوبةِ من الحزن؟!ء
على شفاه من ستنبتُ أجنحة اليرقات؟!ء
على صدرِ من سيحطُ الحلم -حلمي- في المساء؟
تلتفُ الأسئلةُ بقسوةِ أكبر حول معصمي ولا إجابات تفكُ الأسر أو تدعُ النبض يمرُ إلى القلم، لا أكتب!!ء
من أين لي بالكتابة؟ وكل الكلمات أثبتت عجزها في إغرائك بأن الحب بحد ذاتهِ هوية؟ كيف أثق ولم تأبه لها وقلت لي وطن أعز من قلبك؟!ء
كم أتمنى لو كنا تقابلنا على أرضٍ منزوعةِ الوطن، بحيثُ يمكننا زرعها وحصدها وابتداء الحياةَ فيها وننجبُ عالمًا بعيدًا عن تعقيدات الهوية...ء
على كلٍ لم أعد آبه، وفنجان القرفةِ هذا لا يذكرني بك على الإطلاق! لا يذكرني بثنائك الدائم على اختياري لمشروباتي المفضلة، حبك لطقوسي وطريقتي في لفظ حرف الراء.ء
لا أتذكرك إلا في مناسباتٍ محددة .... حين ارتداء أي ثوبٍ أسود، حين تشغيل مكيف الهواء، حين الكتابة على الكيبورد، وحين صفع أي باب.ء
تروقني فكرةَ الرحيلِ عن هنا كثيرًا ... بعد أن أثبتتُ بالتناقض أن لا وطن، لا شيء يصنعُ غيابهُ فارقًا بعد أن نجوتُ بحياتي من غيابك، بعد قلبك الذي ولدت للمرةِ الأولى فيه لا شيء يهم.ء
*العنوان، جزء من سطر شعري من قصيدة لـ نزار قباني
هامشٌ علوي:ء
بخطٍ مائلٍ قليلًا نحو الحرفِ الأولِ من اسمه .... "هل تعلم يا عزيزي أن الدوائر الإلكترونية للذاكرة تُسمى المُتأرجحات!"ء
متن:ء
بقلبٍ يجاهدُ في التقاطِ أنفاسهِ من كًثر ما ركض نحوه، ارتمت بين ذراعيه فالتقطها الهواء قبل أن تهوي، هَوَت!ء
تذكره في حلمها وتذكرُ غيرهُ في دُعاءِ السجود، وتذكر غيرهما في أوقاتِ الاستجابة كي تُلقي لعنةَ المظلومِ عليه فتصيب.ء
تلعنُ الوطن الآبق منذُ بدايةِ الحياة، تلعن كل المفاهيم المُهلهلةِ كثوبِ مهترئ لا يدفئ ولا يغني من غُربة.ء
بالله! ما الوطن؟!ء
لخصتُهُ في بدايةِ الحب في عينيك وتنازلتُ عن جنسيته عند الفراق، واليومَ كعابرِ سبيلٍ ضال أكتبُ وصيتي بأن تحرقَ ذاكرتي بعد أن أنتحر في الرواية.ء
انتقتهُ بعنايةِ أمٍ من بينِ كل القلوبِ كي تضع صغارها فيه، بنى لها بيتًا بدا ثابتًا فأمنت ، وبدونِ إنذارٍ مسبق تهاوى على رأسها فأُسقط حملها، وظلَّت تنزفُ الحب من رَحِمها إلى ما لا نهاية!ء
بعيدًا عن السياق قليلًا:ء
تتقافزُ في تعثرٍ كغزالةٍ طفلة، تحاولُ أن تداعب شعرها فتعبرُ يدها خلالها! هي طيفُ حلم! يدفئ الليل في منتصفهِ ويرحل، تمامًا كطيفه، يأتي كل وحدةِ ليلٍ ليحتضنها ويمضي بعد أن حفر في فراشها أثره، على هذا كل ليلة! وكلما أتى ورحل كلما ازداد عمق أثره وزادها افتقادًا ووحدة!ء
نهايةً:ء
أستمحيكم عذرًا على الكتابةِ الغير منسوجةٍ بشكلٍ لائق فهكذا شأنُ الذكريات
في يومٍ مشابهٍ منذُ أعوامٍ ثلاثة، جلست تعجنُ حناءها كما اليوم، بكت يومها بحرقةٍ أعمق زادها دموعًا رائحة هذا العشبِ المُثيرة للذكريات.ء
على الجانب الآخر من نفسِ اليوم، اثنتان،الله أعلمُ بما جلستا تعجنانه! ربما أوراق حبٍ قديمة تمحوانِ أثرها على أعتابِ قلوبهن، تكنسانِ ما بقي من عطر الحبيب عن حجيرات الروح استعدادًا لاستقبالِ خاتمٍ جديد ، تلصقان "البوسترات" على جدرانِ معبد الحب في محاولةٍ ساذجةٍ لمحو النقوشِ القديمةِ المرسومةِ بتركيزِ أطفالِ فينوس .... ربما يا عزيزتاي تُخفي الصورُ المطبوعةُ بواسطةٍ آلةِ على ورقٍ لامعٍ رسمَ القلوبِ الذي بَذل بشغفٍ في نقشهِ محب جهده، ولكن ما على السطح لا يمحو أبدًا ما يستقر عميقًا.ء
في يومٍ مشابهٍ منذُ أعوامٍ ثلاثة، منحت عجينها بعض الوقتِ ليزداد لونهُ عمقًا وحدةً، تمامًا كما يؤثرُ الوقتُ في التجربة .... دستهُ في معصارٍ وبدأت النقش.....ء
ورودٌ وفراشاتٌ وأغصانٌ بلونِ الجرحِ كي تطغى عليه، تضغطُ بكلِ ما أوتت من ألم وتتنقل بخفةِ ربيعٍ على بشرتها بكلِ ما أوتت من رقة، ومن التقاء ألمها ورقتها يولدُ الرسم، أو القصيدة.....ء
نهايةً:ء
بينما تعدُّ فراشها للحلم، تعطرُ الوسادة بالعطرِ الذي تفضلهُ جنيتها الخاصةَ أكثر، تختارُ من صندوقِ أمنياتها واحدة، تستعدُ لتغلق جفنًا عليها ..... تجذبهُا الكتابة من ذراعها الذي أصابهُ الضعفُ العاطفي من كثرِ ما تأبطهُ "هو"ء
لا تملك ما تقاوم بهِ الذكرى، صورتهُ المرسومة بعنايةِ "دافنشي" على جدرانِ قلبها، بغموضِ ابتسامتهِ وحزنهِ،بشوقهِ ومكابرته، بالشفرةِ السريةِ التي تنطوي عليها صورته تلك .... عاقدةً على قلبها أقفالًا من لغزٍ مستحيلِ ليسِ لغيرهِ إدراك مفتاحهِ
لا يترددُ في سمعها مؤخرًا سوى صوته .... كلما غنّى هاتفها لأن أحدهم أراد أُنْسَ صوتها، تغمضُ عينيها وتضمُ كفيها كمن تقبضُ على أمنية، تقرب كفيها المتشابكين إلى فمها وتبثُ فيهما الرجاء ..... "أرجوكَ كُن هُو"- تكرر
تلتقط الهاتف، وبخيبةِ أملٍ تلقيه! يبدو أنها لم تقبض على أمنيتها الآبقة كما ينبغي فأفلتت!ء
لا يتركُ طيفهُ في مجالِ رؤيتها الكثيرَ لغيرِه ..... أنانيٌ هو في غيابهِ مثلما كان في حضوره، لم ينبغِ يومًا لسواه من قلبها إلا ما أذن به، ولم يأذن لها بعدُ بالنسيان
كملك على الذاكرة،القلب،الفكر،الروح،كيانها .... يدور حول إصبعهِ خاتم مُلْكِها الذي لا يصحُ قرارٌ إلا لو أقرَّه، ولم يقر بعد أن تنسى
وكملوكِ العروشِ الأثيرة، لا يتنازل
في واقعها المُسوَّر بمشيئته يحدثُ أن تستسلم بعد معاركها الصغيرة، تحاولُ معايشةَ كونها الذي هواءه أنفاسه ، وقيظُ حرِّهِ غضبه،وسحبه ما قد يظلها بهِ بينَ حينٍ وحينٍ من حنوه،وبرده الغياب
يحدثُ أن تذهب للتسوق .... تشتري بطاقات بريدية لمدنٍ تودُّ لو يبدآ فيها القصةَ التي حرمها من كتابةٍ بقيتها إلى حيثُ عاشا في سعادةٍ إلى الأبد
ليتنا نتقابلُ يومًا على أرضٍ مُحايدة .... في باريس مثلًا .... تشيرُ معظم الروايات أن البداياتِ هناك لا تُنسى، تذكرُ ألق البدايات يكونُ أحيانًا وحده شاهدًا على الحب،لولا أنك بجفاءٍ مزقتَ الصفحةً الأولى من الحكايةِ لكنتُ الآن أكتبُ الحضورَ عوضًا عن الغياب
تودعُ أمنيتها في بطاقةِ البريد التي تحملُ صورةَ اللوفر، تضعها في صندوق، لتأخذُ طريقها إلى مستودعِ الأحلامِ الضائعة
تقفُ في شُرفةٍ ليست لها، تمشطُ شعرها، يُغريها قلةُ المارة بأن تدعَ الهواء يغازله.... لهما كثيرٌ ما تغازلا بمثلِ هذا الإنفتاح
يُغيريها المشهدُ أن تستلم لرغبتها في قصه!ء
الصبغة البندقية العالقة بأطرافهِ لها لونُ ذكرى ترغبُ في نسيانها تمامًا ، تشغلُ من عقلها بعضًا لا تتجاوز نسبته نسبة اللونِ الدخيل إلى اللونِ الطبيعي، لون الأمان، لون ما مازال عالقًا من شعراتٍ في فرشاة الأطفال الصغيرةِ التي كانت يومًا كبيرة بما يكفي
في دفءٍ -ليس لَها- تكتب ...... لا تدري إلى أين تأخذها الكتابة! تُسلمُ حاسة الشعرِ لمُلهمٍ، يأتي ويختفي ككوكبٍ غامض، أو نَجمٍ يموت
ترتبك قليلًا ...... تفتقد خربشة القلمِ الرصاص، تفتقد تلعثم وصدق قصائدها الأولى
تستحضر الملهم الأول،الذي ما انبغى الشعر يومًا إلا له، الثاني الذي ما ألهمها سوى الوجع! الثالث الذي ألهمها الحياة ورحل .... مَحَت رسالاتهِ غير منتبهةٍ أنها تمحو ما بقى في الكونِ من صدق
تعيدُ سماع الأغنيةِ التي أحبها، يومًا كاملًا، تبكي في آخره مستشعرةً .... الفقد!ء
الفقد الذي دربت روحها عليهِ بقص شعرها كلما أحبت جاذبية طوله
الفقد الذي يجعلها الخوف منهُ تتخلى عن فستانها المُفضل كل عام لتتمرن على الفقدِ الأكبر
الفقدُ ترك في قلبها ثقوبًا من جراء ما فعلت، لم يزده مناعةً وإنما زادهُ هشاشةً وجعلهُ أكثر عرضةً للإنهيار وإختبار الندم!ء
الندم... الندم الذي لم تعرفه قبلا سوى إسمه يعبثُ في عقلها كيف شاء
وماذا لو؟!- الأكثرُ توحشًا تتسلى بتعذيبها
ماذا لو كان لا يزال على بُعدِ رسالة منكِ تقولين فيها
I'm free, you can call now
ربما كان الأمان الذي ما كان لها يومًا مثله يقفُ أعلى الهاويةِ التي سقطت حزنًا بها، يطمئنها بصوتهِ المحبب ويشجعها على الخروج محاولة التقرب من عينيه
في خضمِ الكتابة المتعسرة، يسقط رمشٌ على الورقة، تلتقطه وتبتسم ساخرة، ومستعينةً بسبابتها وإبهامها تقذفهُ بعيدًا، لا تصنع أمنية، ما فائدة الأمنياتِ على كل حالٍ إن لم يكن هناك من يشهدُ ميلادها ويحرسها بعينِ أب؟!ء
تلقيها بقسوة أمٍ حانية أشفقت على طفلها من الحياةِ فقتلته جنينًا، أو تركته رضيعًا يموت في بردِ ما خارج قلبها
وتكملُ الكتابة!!
زُجاجية ... يمرُ من شفافيتها كل أطياف
البشر، ولا تُرى ... وعندما يحينُ وقتُها لأبسطِ سببٍ ، تنكسر!
مجني عليها، جانيةٌ تنتقم ممن يمرّوا فوق كسرها بجرحٍ يذرفُ الدم في كلٍ خطوةٍ
يخطونها بعدها
بقلبٍ مُهترئ، تجلسُ كمسكينةٍ تتسول الحُب
على أبوابِ السنواتِ القادمة
لا تملك من الدفءِ ما يُعينها على البردِ الجديد فتأخذُ من ذاكرتها القديمة من
الذكرياتِ اثنتين، تحاول طرقهما سويًا علَّ شرارةً تُشفق على إحتياجها ولا تَقوى
يمرُ طفلٌ لم تلوث روحه ما ران على أرواحِ
البشر، فيلقي خلسةً في حِجرها بندقتين، كلونِ عَينيه، تسرحُ في ملكوتِه/قلبها وتظل
عالقةً مع صورته على أبوابِ السنواتِ القادمة.... لا تعَبر، لا تعرف ما ينتظرها
خلفها
يناجيها صوتٌ .... ألا أدلك على ما إن فعلتِ امتد طيفُكِ إلى ما بعد السماءِ/إلى لا نهاية
اكتبي...ء
اكتبي سيرةَ قلبكِ الشمعي، أوقديه أولًا، واكتبي في حضرةِ ضوئه وذوبانِ بعضهِ شيئًا فشيئًا
قَضَمَتْ تفاحةَ الشعرِ أولًا، أغمى عليها كالجميلةِ التي نامت، وتاهت في خِضَمِهِ حُلمًا ..... مازالت نائمة!ء
في خضمِ الشعر يتجلى كل أبطالِ الأساطير في هيئةِ مُلهم القصيدة، على أعتابِ الخروج من القصيدة، يضع الفارس زي الفروسية وسيفه أرضًا، ويعود لهيئته الحقيقية، وربما يفقدُ نبلهُ أيضًا
بعد حينٍ..... يموت الحب ويدفنُ نفسه بغيرِ كفنٍ أو مُشيِّع، يرحلُ هكذا وحيدًا هادئًا مثلما تسلل إلى القلبينِ في البداية، يفتحُ قبرَهُ في صمت، يتمدد فيه وينغلق الباب خلفه نسيانًا
للخلودِ يا عزيزتي، ثمنٌ باهظٌ، تسرعت الصغيرة في قبولِ إغراءِ العرض ولم تنتبه لتسأل عما ستقدمهُ كمقابل!ء
تندمين؟!ء
لو مكانك، كنتُ أجلت الندم قليلًا، فهذا ليس كل شيء! الدينُ ثقيل
هناك:ء
بقلبٍ مُفلسٍ جلست تستسقي الإلهام شعرًا بغيرِ قافية
تبحثُ في تفاصيل يومها الـ ما أحبته كما أحبت أمسها عن عينٍ حقيقيةٍ كفضاءٍ الكونِ اللانهائي تطفئ ظمأها ولا تجد
تستعينُ ببعضٍ من عطر الفانيللا الذي ما خذلها قط
تناديهن بأسمائهن التسعة*، واحدةً واحدة.... بصفاتهن: يا صاحبةَ القيثارة، يا حاملة اللوح، يا عازفة الفلوت، ولا غير صفيرِ الخواء ردًا
تنتظرُ مكالمةً ... أو رسالة
باللهِ في جوفِ أي صندوق بريدٍ قد دُفن؟!ء
مُفلسةٌ يا عزيزي وأشتهي خمر الكتابة ولا أستطيعُها
لوحتك التي ما أكملتُها تُخيفني كجنينٍ شائه، كخلقٍ ما اكتمل وباقيه عالقٌ حولَ قلبي كشبكةِ عنكبوتٍ قديمةَ الغزلِ تصيدُ كل جنيةَ حلمٍ تقترب
مُفلسةٌ يا مُلهمي، وجهازي العصبي يعاقبني على فقدك في صورةِ أعراض انسحاب
بعض من حضورك أقسمتُ عليك بالكلمة الأولى كي أكمل الحكاية، كي أنام .... وارحل بعدها
وأبعد من هناك:ء
جلسن تسعةً يبكين قلوبهن، مات الكبيرُ أنيسنا
لم يبق منهُ سوى نقش على وجهِ القمر
ألقِ في النارِ لوحك الشمعي ... لا رسالات أو قصائدًا ملحميةً من الآن
مزقي أوتار قيثارتكِ واكسري نايكِ نصفينِ كالقلمِ الرصاصِ إذا غضب شاعره عليه
لا تفقن من الذهول
مات أبوللو .... مات الكبيرُ أنيسنا
_______________________________________________
هامش:ء
*إشارة إلى الموسيات التسعة، ربات الشعر والفنون
مساءُ الخيرِ يا صديقي، لعلَّهُ كذلكَ ... لعله يكون
(ابتسامة على وجهها خلف سماعةِ الهاتفِ ودمعة)
لا أدري أيتهما حملتها الملائكةُ إليه فرأت انعكاسها على وجهه
الابتسامة التي هي من الحياة
أم الدمعة التي من الرحيل!ء
دارت عليها بعد رحيلهِ دورة الخصبِ مرتين، ولا بذرةً واحدةً غُرست على قلبها بعدما احترق البستانُ فيه
أخشى أن تبور...ء
أيها الصَديق، أفتني في سبع ليلاتٍ متتابعاتٍ من الأرق وليلتي عيدٍ مرّوا كرامًا كأيامِ النسيء
قل لي على أي كتفٍ ألقي الوجع والجميع مثقلين بما يفيضُ عن حاجاتهم منه، والأرضُ التي تموتُ يجوعُ أصحابها قربًا والفضاءُ حتى الأبدِ يتسع
نبأني بتأويل نبوءة العصفورة التي طارت ولن تعود!ء
هاجرت عكس اتجاه الريح إلي غير الوجهةِ التي تبثُ فيها الأرواح في البيض ، إلى حيثُ لن تلتقي أحدًا سوى البياض الذي تظنًّ أنه لون العالمِ الآخر!!!ء
بكت صَمْتَه ... ومع البكاء انقطع صوتها وخط الهاتف
عندما يتسارع نبضُ القلبِ معلنًا عن ألم، يضيقُ صدري كثيرًا وأفتحُ الأزرار والنوافذ كي يصرخ كيف شاء
كابتلاع الصراخ الممزوج بالدمعِ عند الفراق كان كتمُ الكلمة الأدق والأصدق التي ترفعتُ بها أن تكون أصفارًا وآحادًا في آلة!!ء
نعم، هكذا تعملُ الأجهزة الرقمية.....تجعلُ من كل شئ -حتى الدفء- أصفارًا وآحادًا
هي:ء
عندما يتسارع بكاء الروح، أُلقي دموعي فيها، كما لو كانت دلو دموع كالبرجِ السماوي الذي ولدتُ فيهِ مصادفةً
في تسميتها لي فلسفة "أحلامٌ استيقظت" وما أظنُّ أن أحدًا خَبَر استيقاظ حلم مثلي.....سأوضح، يستيقظ الحلم كما تنسل روحٍ من جسدٍ أحب الحياة .... ببطءٍ وألم
كقلبٍ ما أراد الرحيل، وفعل
كنزفِ الشغف من جرحي المفتوح منذُ عامين، ولم يلتأم
كمن كلما حاول اعتلاء الإيمان وجاهد نحوه، دفعه من مدَّ لهُ ذراعهُ أو حبلًا وابتسم، مجددًا نحو الكُفر
ربما تذكرون الفراشة! لقد أغراها ضوء ودفء شمعة بالاقتراب، فاحترقت... والضوءُ انطفأ